علاء ضياء / ذي قار
فرسان الحوار- 28
من بين أعواد القصب والبردي وفرات الناصرية انطلقت رحلتي برفقة مؤسسة مسارات، تمتد الرحلة هذه المرة شمالًا نحو سهل نينوى والموصل وضواحيها الجميلة هناك، حيث تتحد الجغرافيا بالتاريخ، تتجلى صورة العراق في أبهى تنوعاته، وتبرز نينوى كصفحة مشرقة من كتاب الوطن الكبير. تتأمل العين تلك الرقعة الغنية التي ينساب عبرها نهر دجلة، فيشطر الموصل الحبيبة إلى نصفين، لكنه يوحِّد بين ضفتيها الذاكرة والمصير والتاريخ. كان دجلة شاهدًا على حكايات الحب والفرح والتعايش السلمي، كما كان أيضاً شاهداً على لحظات الحزن والدمار التي مرّت بهذه المدينة العريقة.
تتميز محافظة نينوى بتنوعها الثقافي والحضاري والاجتماعي والديني، فهي مرآة صادقة تعكس غنى العراق وتعدديته. ففي كل قرية وناحية من نواحيها تتجاور المآذن مع الكنائس، وتتداخل اللغات والعادات في نسيج واحد من الانتماء والاحترام المتبادل، حتى مطابخها وأكلاتها تعبّر عن هذا التنوع، وكأن أبناءها يتسابقون في إبراز هويتهم وخدمة مدينتهم بما يمتلكون من محبة وذوق.
لقد تجلى العراق في ذلك العراق الصغير المسمّى نينوى، حيث تجتمع الأديان والطوائف في مساحة واحدة تفيض بالحياة. يكفي أن ننظر إلى هلال سهل نينوى لندرك أن هذا الهلال وحده قادر على أن يختصر صورة العراق بأكمله، بتعدده، وثرائه، ووحدته رغم الاختلاف. نينوى ليست مجرد محافظة على خارطة العراق، بل هي رمزٌ لما يمكن أن يكون عليه الوطن حين تتآلف قلوب أبنائه، وتذوب الفوارق في نهر دجلة، الذي ما زال يجري حاملاً معه ذاكرة المكان وروح التنوّع العراقي الأصيل.
شكري وامتناني لكل الأهل والأحبة في سهل نينوى والموصل الذين فتحوا لنا قلوبهم ليجعلوا من رحلة الحوار التي بدأناها قصة للتعرف على الآخر عن قرب.
شكرا لإدارة البرنامج في مؤسسات مسارات وبيت التعايش وكايسيد.
شكراً على كل تلك الايام الجميلة والاستكشافات الكبيرة.






