احمد محمد / بغداد
فرسان الحوار/27
كانت رحلة لا تُنسى، في تلك المدينة التي تحتضن على أرضها تاريخًا غنيًا وتنوعًا ثقافيًا وإنسانيًا فريدًا…..
بدأتُ جولتي بالتعمق في نسيجها الاجتماعي بزيارة إلى سهل نينوى، وتحديدًا عند الشبك، هذا المكون الأصيل الذي يثري المنطقة.
بين الشبك وكرم الضيافة
كانت زيارة الشبك تجربة إنسانية دافئة. استُقبلتُ بكرم عظيم في مضايفهم، حيث سنحت لي الفرصة للتعرف على عاداتهم وتقاليدهم. تحدثتُ مع وجهائهم، وكان أبرزهم السيد محمد علي حر، الذي أتحفني بالحديث عن تاريخ الشبك ومكانتهم في سهل نينوى. لم تقتصر الزيارة على الحديث، بل امتدت إلى مائدة الطعام، حيث تذوقتُ أصناف طعامهم التقليدية المميزة التي تعكس بساطة الحياة وغناها في آن واحد، ومنها الأطباق التي يغلب عليها استخدام المنتجات الزراعية المحلية…..
لم يكن مجرد فطور في بيت الإعلامي الشبكي المميز عماد قصي، بل كانت فرصة للتعرف عن قرب على مدى تمسك العائلات الشبكية بتراثهم وتقاليدهم المتوارثة خاصة في مجال المطبخ والأزياء واللغة.
اما الجولة بين دير الشهيدة بربارة وكنيسة مار آدي في كرمليس وكنيسة الطاهرة الكبرى في بغديدا فقد غمرنا بها الاب جورج جحولا بحكايات وقصص من وحي التعايش العميق بين ابناء مكونات المدينة.
هذه اللقاءات تركت في نفسي أثرًا عميقًا عن التعايش والتآلف الذي يرتبط بعمق الإحساس بالمواطنة والإنسانية بعيدًا عن الدين والمذهب والطائفة واللون أو اللغة.
كما أقام القس إدي معنا صلاة من أجل السلام في العراق والعالم في أجواء روحانية غمرتنا بشعور لا يوصف.
وفي الموصل “الحدباء”، التي تستعيد عافيتها ببطء شديد….. كان الهدف الأبرز هو زيارة المنارة الحدباء، ذلك الصرح الذي يمثل روح المدينة وتاريخها. عادت لتقف من جديد في تحدٍ رمزي كبير لغربان الشر الذين نسفوها، عادت بانحنائها الرمزي المميز لتحيي زوارها وتهمس لهم بحكايات قرون مضت.
رؤية جهود إعادة الإعمار في محيطها وفي المدينة القديمة ككل تبعث على الأمل بأن هذه المدينة العريقة ستستعيد مجدها وحيويتها كمركز ثقافي واقتصادي في العراق.
لم يأتِ هذا الشعور من فراغ بل كان رسائل واضحة تحملها نبرات أصوات من التقيناهم من مختلف الأديان والطوائف.
عدت من هذه الرحلة وفي أذاني يرن صوت الأب رائد عادل، أيقونة الموصل الذي وقف وما زال رمزًا للتعايش والحوار بين مكونات المدينة، والناشط صقر آل زكريا، الشاب المثابر، الذي يجمع تراث المدينة بكل حب وحرص ويعرضه لزوارها وهو يقول: هذه هي موصلنا الحبيبة.
باختصار فإن من لم يزر محافظة نينوى ويطلع على حاضرها وتاريخها الذي يشكل مزيجًا من التنوع الثقافي بكل صنوفه، فاته من حياته الكثير.






