نهى سدير/ بغداد
فرسان الحوار – ٣١
يُعد التعايش المشترك بين المكونات العراقية أحد أعمدة الاستقرار والتنمية، فهو ليس مجرد واقع اجتماعي، بل قيمة إنسانية وحضارية تحفظ الهوية الوطنية الجامعة وتثريها. ومنطقة سهل نينوى تمثل نموذجاً حيّاً لهذا التنوع، حيث تجتمع فيها أديان ومذاهب وثقافات متعددة، ما يجعلها لوحة فسيفسائية تعكس غنى العراق وتاريخه العريق.
غنى لا يمكن ان تحيط بمعرفته من دون زيارة ميدانية إلى سهل نينوى…
من هنا انطلقنا مع مؤسسة مسارات للتنمية الثقافية والاعلامية في زيارة التقينا من خلالها بعدد من الشخصيات الدينية والاجتماعية والثقافية، واطلعنا على تجارب حيّة تعبّر عن روح التعايش والتنوع.
اول تلك اللقاءات كانت مع السيد محمد علي حر الأعرجي، رجل الدين الشبكي ووجيه قرية منارة شبك، حيث جرى الحديث حول دور رجال الدين في إشاعة ثقافة السلم المجتمعي، وأهمية تعزيز الحوار بين المكونات.
ثم السيد عبد الزهرة الأغا، الباحث في الشأن الشبكي، الذي قدّم شرحاً عن تاريخ الشبك وإسهاماتهم في نسيج المجتمع العراقي، مؤكداً على التحديات وسبل الحفاظ على الهوية الثقافية للمكون.
بعدها كان لنا لقاء مع السيد معاذ حجي عباس، عضو مجلس محافظة نينوى، حيث دار النقاش حول أهمية دعم مبادرات المجتمع المدني وتفعيل دور المؤسسات الرسمية في خدمة أبناء المنطقة وترسيخ الاستقرار.
ويعد أكملنا الجولة في مسجد زين العابدين بن علي، الذي يعد احد ابرز معالم السهل ومركزاً دينياً واجتماعياً مهماً لأبناء المكون الشبكي، ومعلماً يبرز استمرارية الحياة الدينية في المنطقة.
وللتعرف على الجانب الإعلامي في المدينة كان لنا جلسة نقاش مفتوح في إذاعة عين الأقليات، التي تشكل منصة إعلامية تعبّر عن قضايا المكونات الدينية والعرقية، وتبث رسائل التعايش والسلام، مما يعزز الوعي المجتمعي بقيمة التنوع.
وعلى الجانب الاخر لباقي مكونات سهل نينوى كانت الرحلة الروحية إلى كنيسة الشهيدة بربارة واللقاء مع القس أدي في كنيسة مار أدي الرسول، اطلعنا من خلالها على دور الكنيسة في الحفاظ على الوجود المسيحي التاريخي في سهل نينوى، وتعزيز قيم المحبة والتسامح.
ثم زيارة كنيسة الطاهرة في الحمدانية ولقاء الأب جورج جحولا، الذي شدّد على أهمية وحدة أبناء نينوى بمختلف أطيافهم، وضرورة التكاتف لمواجهة التحديات الراهنة.
وسط تلك الأجواء الروحانية المذهلة انتهى النهار ليبدأ الفريق نشاطا مسائيا عائليات لا يمكن ان أنساه يوما…
حيث كان الفريق في ضيافة كريمة من عائلة السيد عماد قصي … الناشط الإعلامي والمدني الشبكي.
قضى فريق فرسان الحوار ليلته الاولى في سهل نينوى على أصوات ذكريات نساء ورجال وشباب المدينة في مضيف عامر بحكايات زمن مضى وأمنيات زمن آت.
حكايا لو قدر لها ان تخرج للعلن ربما ستلاقي من الانتشار ما ينافس ليالي الف ليلة وليلة…..
أطباق الطعام التراثية التي تحكي هي الأخرى قصة مكون قومي غني بالتنوع وعميق في القدم كانت مميزة مثل كبة دو بأنواعها المختلفة والدولمة، في أجواء عائلية جسدت روح الكرم العراقي الأصيل، وأبرزت قيمة الموروث الشعبي في توثيق العلاقات الإنسانية.
لقد أظهرت هذه الجولة لي أن التنوع والتعدد في العراق ليسا تحدياً بل كنزاً من كنوز هذا البلد، وأن التعرف على ثقافات وأديان ومذاهب أبناء الوطن يفتح آفاقاً أوسع للتفاهم والعيش المشترك. من هنا، تواصل مؤسسة مسارات عملها في بناء جسور الحوار، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن التعايش هو السبيل الأنجع لبناء مجتمع مزدهر وآمن لكل العراقيين.






