تُحيي مؤسسة مسارات للتنمية الثقافية والإعلامية الذكرى العاشرة لليوم الدولي لإحياء وتكريم ضحايا جرائم الإبادة الجماعية، في لحظة عالمية تستوجب وقفة تأمل ومسؤولية تجاه التحديات التي لا تزال تهدد المجتمعات الهشّة، رغم مرور أكثر من سبعة وسبعين عاماً على اعتماد اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها.
وفي هذا الإطار، تُجدّد مؤسسة مسارات تأكيدها على التزامها الراسخ بمنع الإبادة الجماعية، من خلال منظومة منهجية متكاملة طوّرتها على مدى السنوات الماضية، وتشمل ثلاثة مسارات رئيسية:
أولاً: تعزيز الذاكرة التاريخية ومنع تكرار الجريمة
من خلال إصدار سلسلة )مئة عام من الإبادة الجماعية: من إبادة الأرمن إلى إبادة الإيزيديين)، وقد هدفت السلسلة إلى تحليل جذور الجرائم، واستخلاص العبر، وإبراز الترابط بين أنماط الإبادة عبر التاريخ، بما يساهم في إنتاج وعي مجتمعي قادر على كشف مؤشرات الخطر قبل وقوعها.
ثانياً: بناء منظومات إنذار مبكر عبر مواجهة خطاب الكراهية
إدراكاً بأن الإبادات الجماعية لا تبدأ بالسلاح بل بالكلمة المسمومة، أسّست مسارات مركز رصد ومواجهة خطابات الكراهية في العراق، وهو أول مركز من نوعه في البلاد يعمل على تحليل الخطاب العام، ورصد التحريض، وتقديم تقارير دورية تساعد صنّاع القرار والجهات الدولية على فهم اتجاهات المخاطر. وقد كان للمركز دور محوري في وضع اللبنات الأولى لمنظومة إنذار مبكر وطنية تتعامل مع الكراهية باعتبارها مقدّمة مباشرة للعنف الجماعي.
ثالثاً: الاستثمار في الحوار والتنوع باعتبارهما خط الدفاع الأول
أطلقت المؤسسة شبكات ومجمّعات تطوعية شبابية متخصصة في تعزيز معرفة المجتمعات بعضها ببعض، ونشر ثقافة الحوار، وتفكيك الصور النمطية، وبناء جسور التواصل بين مكوّنات المجتمع العراقي. ويستند هذا الجهد إلى قناعة راسخة بأن الوقاية الفعّالة تبدأ من المجتمع نفسه، وأن تعزيز المناعة الثقافية هو الأساس في حماية الأجيال القادمة من تكرار المآسي.
رابعاً: المساهمة في صياغة الاستراتيجية الوطنية لمنع الإبادة الجماعية في العراق، بالتعاون مع المؤسسة الإيزيدية الدولية لمنع الإبادة الجماعية، التي تُعد أول وثيقة رسمية شاملة تضع إطاراً وطنياً للوقاية، وإدارة المخاطر، وتعزيز قدرات الدولة والمجتمع على الاستجابة المبكرة. هذا الجهد المشترك مثّل خطوة مفصلية نحو بناء سياسة وطنية مستدامة للوقاية.
خامساً: العمل على إعداد منهج دراسي عن تاريخ الإبادات الجماعية في العراق، يعرّف الطلبة بتاريخ الإبادات الجماعية في العراق، ويعزّز قيم التسامح والمواطنة، ويرسّخ ثقافة منع الجريمة قبل أن تتجذر. ويأتي هذا المشروع في إطار رؤية المؤسسة لإدماج الوعي التاريخي بالحقوق والكرامة الإنسانية في مراحل التعليم.
وفي هذه المناسبة، تؤكد مؤسسة مسارات أن الوقاية من الإبادة الجماعية مسؤولية مشتركة تتطلب شراكة حقيقية بين الدولة والمجتمع المدني والمؤسسات الأكاديمية والجهات الدولية. كما تشدد على أن بناء بيئة خالية من الكراهية، وتعزيز سيادة القانون، وحماية الفئات الهشة، هي عناصر أساسية لضمان مستقبل آمن يليق بتاريخ العراق وتنوّعه.
وتجدد مسارات التزامها بمواصلة هذا الدور، إيماناً بأن مستقبل الشعوب يُصان بالذاكرة، ويُحمى بالمعرفة، ويُبنى بالوقاية، لا بردود الفعل المتأخرة.






