فرسان الحوار / 20
محمد الأمارة / البصرة
كان صباح البصرة موعدًا للقاء الأحبة.
وكانت محطة قطار المعقل هي نقطة اللقاء الأولى.
وجوه مشرقة مملوءة بحب الوطن بكل دياناته وقومياته وأقلياته. اللقاء كان مخططًا له، لكن كل ما حصل في تلك اللحظة شعرنا وكأننا نعود إلى المألوف…!
وجوه التقيتها للمرة الأولى، لكن القلب عرفهم والروح قالت: لقد التقينا!
كانت نخبة تمثل العراق بشكل حقيقي، يسهل التعامل والاندماج معهم، وكان لهم سحر وهالة خاصة، وكأنك تعرفهم منذ سنوات طويلة. اصطحبتهم إلى مدينتي قضاء الزبير في بيتي، وسرعان ما صاروا من “حبال المضيف”.
وكانت عقارب الساعة قاسية، فلم تمنحنا الكثير من الوقت للاستمتاع بسماعهم والحديث معهم.
في إطار برنامج “فرسان الحوار” الذي أطلقته مؤسسة مسارات للتنمية الثقافية والإعلامية، اتفقنا بكل فخر على رفع شعار #بالحوارنبقىونرتقي.
وكان هذا الشعار نقطة انطلاق للفرسان في جولتهم في مدينتي الزبير، حيث زرنا الجانب التعليمي المتمثل في مدارس الرازي، ثم بدأنا زيارة المواقع الدينية والتاريخية، وانطلقنا من خطوة الإمام علي عليه السلام، الصرح الذي يجمع التاريخ والسكينة الروحية والجمال العمراني.
ثم انتقلنا إلى المطران حبيب النوفلي في المطرانية وسط البصرة، واكتمل اليوم بلقاء المندائيين، حيث اجتمع وجهاء البصرة من كل المكونات، ليكون اللقاء أكثر من رائع بكل تفاصيله.
وفي المساء، وعند أقرب نقطة إلى آخر الحدود العراقية البرية في سفوان، تعرف فرسان الحوار على الفلكلور البصري والفن البصري الجميل بإيقاعاته وأنغامه وألوانه وشخوصه.
بعدها زرنا أبراج الحمام في المدينة وتعرفنا على الجناية والمطيرجية، وتحدثنا معهم عن أسعار الحمام وكيفية تربيته.
ومن عالم الطيور، توجهنا ليلاً إلى مدينة الحناء، الفاو، حيث رأس البيشة والمراكب والبحر والبحارة.
استقبلتنا عائلة حجي إسماعيل الفاوي، وكانت ليلة من أجمل الليالي.
انتظرنا طلوع الفجر لنعيش مع السماجة والحداكة أوقاتهم، ونتعرف على تفاصيل عملهم ومخاطر البحر.
أنواع الأسماك وأصناف ثمار البحر كانت عنوان ذلك الفجر، الذي انتهى بالفطور في بستان عائلة الفاوي، التي أبدعت في رسم لوحة الكرم البصري.
ومن الفاو، انتقلنا إلى أبو الخصيب، حيث بيت السياب، الذي يكاد كل ركن فيه ينطق شعراً وحباً للعراق. تعرف المشاركون على هذا الإرث الثقافي الغني.
ثم التقينا وجهاء المدينة، وكانت الحوارات متنوعة عن التعايش بين مكونات المدينة عبر التاريخ، وأهمية المدينة الاقتصادية كونها مركزاً زراعياً.
ومن أبو الخصيب إلى العشار، حيث شط العرب ورازونه والشناشيل، والأجواء البصرية ذات الطابع الفريد الجميل.
وسط البلم العشاري قضى فرسان الحوار ليلتهم الأخيرة في البصرة، وكان سحر الليل وسط الماء يحتضن الجميع، حتى أن جسور شط العرب بدت وكأنها تحتضن القلوب العراقية المتعلقة بالأرض والوطن.
كانت الأيام والليالي سريعة، وتمنيت ألا تنقضي أو على الأقل أن تعاد قريباً… لم يكن الفريق مجرد مجموعة أفراد، بل كان كل العراق في بيتي، وكل أهلي من عمق التاريخ إلى اليوم قد التقوا هنا تحت سعف نخلة برحية عند ضفاف شط العرب.
وبشدة تعلقّي وحبي لهم، امتنعت عن توديعهم، واكتفيت بكلمات: “أستودعكم الله والعراق، وإلى الملتقى”.






