فرسان الحوار
أحمد خير الله / البصرة
في البصرة، لا نُعدّ الأماكن لاستقبال أحد، بل نُهيّئ القلوب. هذه المدينة، التي خُلقت من ملوحة الماء وعذوبة اللقاء، لا تُفرّق بين زائرٍ وأهل؛ فمن جاءها بمحبة، صار منها.
حين علمت أن البصرة ستكون المحطة التالية لفرسان الحوار، لم أشعر بالحماس فقط، بل بالمسؤولية أيضًا. لم نكن ننتظر وفدًا سياحيًا عابرًا، بل كنا نستعد لاستقبال العراق كله، بلهجاته وأديانه وتنوعه الجميل.
قلت لنفسي: كيف سنقنع من لم يرَ البصرة من قبل، أن هذه الشمس الحارقة قد تكون غطاءً دافئًا حين تحلّ المحبة؟ وكيف سنثبت أن “الشرجي” الذي يخشاه الجميع، يرقّ حين تمشي في شوارعنا برفقة من يشبهك بالوجع والحلم؟
جاؤوا من الجبال، ومن السهول، ومن بغداد التي تعبت، ومن سنجار التي ما زالت تضمّد جراحها، جاؤوا لا ليستريحوا، بل ليصغوا. وكنّا نحن، أبناء البصرة، هناك لنقول لهم نحن لسنا الجنوب البعيد، بل القلب القريب.
في شط العرب رأيت الانبهار في عيونهم، وفي الزبير سمعوا حكاياتنا كما تُروى الأساطير. لم يكن الحديث عن الماضي، بل عن الحلم، عن كيف يمكن لمدينة أن تستعيد صورتها الحقيقية حين تُنقل بعدسة من يحب، لا من يحكم.
تعبنا من الشمس؟ نعم. لكننا لم نُظهره. نحن نعرف هذه المدينة، ونعرف كيف نحتمي بها، لا منها. أما زملاؤنا من المحافظات الأخرى، فقد خيّبوا ظنون القلق. تحملوا الحر كما لو أنهم أبناء هذه الأرض منذ ولادتهم. لم يسألوا عن التكييف، بل سألوا عن أسماء الأكلات، وتاريخ الموانئ، وشعر البحارة.
وفي يوم مميز من أيام المخيم، كانت لنا محطة استثنائية: ملعب البصرة الدولي، “جذع النخلة”. دخلناه معًا، وكنت دليلهم فيه. لا أتحدث عن الأرقام الهندسية أو المدرجات العملاقة فقط، بل عن الروح التي تسكن هذا المكان. كنت أراهم ينظرون بدهشة إلى صرحٍ يشبه الحلم، ونحن نهتف فيه “عاش العراق” بمدرجات فارغة لكنها امتلأت بصوتنا. لم نكن نشاهد مباراة، لكننا كنا نصنع واحدة… مباراة ضد التفرقة والخذلان.
ووسط تلك اللحظات، شعرت أننا لا نُقيم فعالية… بل نُقيم وطنًا. وطنًا يُبنى بحوار لا يعرف المجاملة، بل يبحث عن الجسور. وطن لا تفرّقه الهويات، بل توحّده النوايا الصافية.
هذه التجربة لم تكن مخيمًا فقط، بل مرآة عكست لنا أنفسنا. وتأكدت أن البصرة لا تحرق من يأتيها بمحبة… بل تنضج فيه بذرة العراق.






