فرسان الحوار / 18
أحمد الدليمي / الأنبار
في مدينة وُلدت من رحم البحر وارتوت من دجلة والفرات، كانت مؤسسة مسارات وفريقها الجديد فرسان الحوار على موعد لاستكشاف عالم هذه المدينة الفريدة.
لم تكن البصرة يومًا مجرد مدينة ذات أهمية جغرافية، بل شجرة ذاكرة تظلل القادمين بشوق وتحفظ للراحلين أثرًا من ملحها وأغنياتها.
في الجنوب، حيث يهرول الزمن ببطء تحت وهج الشمس التي لا تُساوم، ارتفعت خيمة الحوار، ليست كفكرة فقط بل كنداء استيقظ في صدور الشباب الذين جمعتهم البلاد وفرّقتهم الحكايات، هناك بين نخلة وقمر.
على استحياء التقت العيون قبل الأيدي، وذابت اللهجات بين شاي في الزبير، وضحكات في أبي الخصيب، وهمسات في سفوان، وسفرة عامرة في الفاو.
لم يسأل أحد عن الانتماء، فجميع الحضور جاءوا وهمهم العراق—ليس عراق المعاناة، بل عراقنا الذي عرفناه جميعًا منذ الأزل.
كانوا من سنجار، الموصل، بغداد، كركوك، العمارة، النجف، الديوانية، السليمانية، والأنبار… لم تجمعهم خريطة بل الحلم بأن يكون اللقاء أبلغ من النشرة الإخبارية وأعمق من الخطاب السياسي.
تحت شمس البصرة التي ظُنّت قاسية، وجد الغريب مأوى في الضحكة، والسني شقيقًا في الشيعي، والمسيحي وطنًا في أذان الصباح. وكان الحنين مشتركًا كأغنية عراقية لا تعرف الطائفة ولا تقف عند العرق.
ساعات ذلك المخيم لم تكن زمنًا عابرًا، بل نقطة تحول نضج فيها الأمل وتحولت النوايا إلى أفعال. نزعنا عن أنفسنا معاطف الخوف وأقمنا جسورًا من الأسئلة لا من الشكوك، لأننا أدركنا أن الحوار لا يجمّل الواقع، بل يعيده إلى فطرته الأولى: إنسان يرى في الآخر مرآة، لا خصمًا.
واليوم، بعد أن غادر الجميع، ما زالت البصرة تُردد بصوت موجّه: “كانوا هنا، وتحدثوا كثيرًا، وضحكوا أكثر… وتركوني أجمل”.






