فرسان الحوار / 17
إبراهيم تمري – القحطانية
في إطار تعزيز جسور التلاقي الثقافي والإنساني، قمنا نحن مجموعة من شباب سنجار – الأيزيديين والمسلمين برفقة مؤسسة مسارات للتنمية الثقافية والإعلامية بزيارة إلى مدينة الناصرية، أرض الحضارات والضيافة.
في كل محطة من رحلتنا لمسنا كرم الضيافة وصدق المشاعر، وشعرنا أننا لسنا غرباء، بل بين أهلنا وإخوتنا. لقد غمرنا أهالي ذي قار بالمحبة والطيبة والأخوّة، مؤكدين لنا أن العراق رغم تنوعه، وطن واحد يجمعنا تحت خيمته الكبيرة.
الرحلة في أرض سومر العريقة جمعت عبق التاريخ المشرق والحاضر المحزن، حيث حملنا معنا شغف اللقاء والتعرف على أهلها، وعُدنا بقلوب مفعمة بالود والانبهار بتاريخ ما زال صامداً رغم آلاف السنين، والحزن على مستوى الإهمال الذي تعاني منه الآثار والمدينة معاً.
بدأنا رحلتنا من مدينة أور الأثرية، حيث وقفنا بإجلال أمام الزقورة التاريخية الشهيرة، أحد أقدم المعالم المعمارية في العالم، ثم دخلنا بيت النبي إبراهيم (عليه السلام)، مستشعرين قدسية المكان وعظمة التاريخ الذي يحتضنه.
واصلنا جولتنا في أسواق الناصرية، ولقينا ترحيباً دافئاً من أهلها، وتبادلنا الأحاديث مع أدبائها ومثقفيها وشبابها. كما زرنا ساحة الشاعر الكبير محمد سعيد الحبوبي، رمز الكلمة والموقف في جنوب العراق.
ومع خيوط فجر اليوم التالي كانت رحلة السحر والخيال بين أعواد القصب ومياه الأهوار، التي تختبئ تحت أمواجها الهادئة كل سحر الكون وإصرار الإنسان على البقاء رغم الظروف الجوية.
كانت زيارة أهوار الجبايش مؤثرة جداً في نفوسنا؛ هناك، حيث الماء والقصب والمراكب، شعرنا بعراقة هذا المكان الفريد الذي يجمع بين جمال الطبيعة وذاكرة الإنسان.
تقاطيع وجوه أهل الأهوار، التي لفحتها الشمس، تحكي قصصاً لا تحتاج إلى كلمات، كأنها قصص وجوهنا في جبل سنجار… مع فارق الزمن، وتشابه الألم، وقوة الصبر والإصرار على التمسك بالمكان الذي يمثل امتداد أبناء الأجداد في الأجساد.
لقد كانت هذه الزيارة أكثر من مجرد رحلة؛ كانت رسالة محبة، وتجسيداً للعيش المشترك، وبداية لخطوات أكبر نحو السلام المجتمعي والتفاهم العميق بين مكونات وطننا الواحد.






