فرسان الحوار /10
إبراهيم تمري / سنجار
لم نكن نحمل في بداية الرحلة إلا حقائب مثقلة يرافقها القلق والهموم، وقلوب تائهة بين ركام الحرب وآثار الإبادة، نحن أبناء سنجار، أبناء الجبل والملح، نحن من عرفنا الألم أكثر من معرفة الوطن.
كنا نظن أن التعددية حلم بعيد، وأن السلام لا يسكن في هذا المكان. لكن الرحلة التي جمعتنا بهذا النمط المتنوع ومن أشخاص مميزين في مخيم التربية على الحوار، التي نظمتها مؤسسة مسارات للتنمية الثقافية والإعلامية، فتحت أبوابًا كانت مغلقة في داخلنا، وأعادت تعريف “الوطن” في ذاكرتنا.
من لحظة صعودنا إلى القطار بغداد – البصرة بدأنا نبتعد عن الألم الجغرافي، ونتقرب من جغرافيا جديدة جغرافيا الإنسان. لم نكن نعرف أن البصرة، التي لم نزرها من قبل، ستحتضننا بهذا القدر من الحفاوة والود. ولا كنا نعلم أن في الزبير والفاو وأبو الخصيب والقرنة سنجد مرآتنا المتعبة تنعكس في عيون الآخرين من مكونات العراق.
لقد التقينا المسيحي والمسلم والمندائي، وجلسنا جنبًا إلى جنب مع ذوي البشرة السمراء الجميلة، واستمعنا إلى حكايات من الجنوب تنبض بالمقاومة والحياة. في كل وجه التقيناه، رأينا جزءًا من وطن منسي كنا نحلم به. سيدة من الزبير تحدثت عن التمييز، وفنان أسمر مسلم غنّى للسلام في الكنيسة، وشيخ مندائي حدثنا عن النهر كأب روحي للجميع، وفي كل لحظة كنا نعيد بناء فكرة العراق – لا كوطن جغرافي فقط، بل كوطن إنساني يقبل الجميع، ويحمي اختلافاتهم لا يرعبهم.
من خلال هذه الزيارات أدركنا أن التعددية الدينية والثقافية ليست عبئًا كما صوّرتها لنا مراحل الألم، بل هي غنى وقوة ومصدر إلهام.
لقد شعرنا ولأول مرة أننا لسنا ضيوفًا على هذا الوطن، بل نحن من صُنّاعه. نحن الإيزيديون، والمندائيون، والمسيحيون، والشيعة، والسنة… كلنا يجب أن نرسم خارطة واحدة، اسمها العراق.
خرجنا من هذا المخيم بقلوب دافئة، ممتلئة بالإيمان بأننا نستطيع أن نكون شركاء حقيقيين في إعادة بناء هذا الوطن الذي فقدناه في لحظات مظلمة، كأنه بدأ يعود إلينا في بسمة طفل بصري، وفي عناق وجهاء أبي الخصيب، وفي صوت السياب على شط العرب، وعند شجرة آدم في القرنة حيث يقترن الرافدان، حيث بدأت الحضارة.
هذه التجربة لم تكن مجرد زيارة ميدانية، بل كانت شفاءً داخليًا، وولادة جديدة لوطن في داخلنا. تعلمنا أن الحوار لا يُلغي الاختلاف، بل يعلّمه كيف يرتقي ليكون إنسانيًا.
لقد عدنا من جنوب الوطن نحمل السلام في حقائبنا، ونحمل العراق – كما يجب أن يكون – في قلوبنا.






