فرسان الحوار / 14
حسن بشكاني / سنجار
بعد سبع ساعات قضيتها في السيارة في رحلتي من سنجار إلى بغداد، ثم عشر ساعات في قطار بغداد المتوجه إلى البصرة، تراكمت الصور في ذهني أثناء هذه الرحلة الطويلة والشاقة إلى مدينة لا أعرف عنها شيئًا سوى شمسها الحارقة وما نقلته وسائل الإعلام قبل عامين عن كرم استقبالها لضيوف بطولة الخليج العربي لكرة القدم.
وعندما وصلت إلى البصرة، كان الشعور غريبًا لا يوصف، والانطباع الأول من أول ابتسامة لشاب بصري التقيته جعلني أدرك أنني لست في مدينة عادية.
ببشرته السمراء وثوبه الأبيض ولهجته التي تخترق القلب بلا استئذان، لم يترك لنا شيئًا لنقرأه، بل ضاعت كل لغتي لحظة أمام حفاوة الاستقبال التي غمرنا بها ابن مدينة الزبير.
ومع صخب تلك المشاعر، بدأ شعور الزهو والفخر بعراقيتي يرتفع. ومع دوران عجلات السيارة التي تقلنا في مدينة ما زالت شوارعها تعبق بالتراث ورموز ثقافتها وتنوعها العرقي، تمنيت لو كان القطار يربط بين جميع مدن العراق حتى يرى أهلي وأصدقائي ما رأيت من هذا الكم من التنوع والتراث والحضارة في كل مدينة زرتها.
استقبلنا زملاء من البصرة على مائدة فطور، وجوههم السمراء المشرقة، حديثهم ممزوج بالحكمة والنكتة، وعيونهم تنظر بعيدًا، حدثونا عن الطقوس والعادات التي يمارسونها في حياتهم اليومية.
رائحة البحر وحدها كانت كافية لتجعل الحوار خيارًا استراتيجيًا بين جميع المكونات، هكذا شعرت عندما ركبت قاربًا صغيرًا في شط العرب.
وفي الليل في الفاو، عندما لمعت أضواء ميناء الفاو الكبير، قلت لزملائي ونحن تحت النجوم: المستقبل يولد من قلب البصرة، لذلك فالحوار هو سلاحنا إذا أردنا أن يكون هذا المستقبل مشرفًا ومشرقًا لنا ولأجيالنا القادمة.
وعلى وقع صوت أمواج البحر قبيل طلوع الشمس، وكأننا في لحظة مستوحاة من قصص السندباد، بدأ الصيادون بإنزال صيدهم من أسماك البحر التي لم أرها من قبل إلا في الصور. لم يكتفِ البصراويون بإمتاعنا بالمناظر فقط، بل قدموا لنا وجبة الغداء من ستة أو سبعة أنواع من السمك في بيت صياد قضى عمره بين الشبكة والبحر والشاطئ في شبه جزيرة الفاو.
في حديث أهل البصرة، لم نسمع أي تمييز على أساس اللون أو الدين أو المذهب. لم يسألنا أحد إذا كنا إيزيديين أو مسلمين أو مسيحيين. جمعتنا البصرة في كنيستها لنصلي معًا من أجل العراق، وجمعت أبناءها الصابئة وبيضها وسمرها، فكانوا عراقًا مصغرًا موحدًا. ثم وقفنا في حضرة شاعرها الكبير السياب، وتحاورنا مع أكاديمييها وفنانيها ومثقفيها وقياداتها الدينية، وحتى مع بائع الشاي على الكورنيش.
وقفنا بين أطلال الشعر والكلمات، وتبادلنا الحديث عن روح المحبة والسلام، وركزنا على الحوار الدائم من أجل التقارب بين أبناء المجتمع العراقي.
أيام البصرة لا تُنسى، فهي ممزوجة بكرم أهلها ودفء أرواحهم، التي ستبقى عالقة في ذهني، بل وحتى عطرهم من بداية المدينة حتى آخر نقطة حدودية في العراق.
الحوار، يا سادة، يجب أن يكون شامخًا كنخيل البصرة، حلوًا مثل تمرها، ودافئًا مثل استكان الشاي الصباحي الذي قدمه لنا الفلاح في لحظة لن تتكرر في بساتين أبي الخصيب.
الحوار الذي نجح في تعميمه بين مكونات المدينة عبر تشكيل مجتمعي رائع اسمه مجلس العشائر ومكونات البصرة، الذي التقينا بأعضائه. تمنيت أن يكون مثله في مدينتي الجريحة الصامدة، سنجار، تجمع يضم التنوع العرقي الجميل، وينتهج الحوار لحل أي خلافات محتملة بين أتباع الأديان. مجموعة من القيادات المجتمعية تعمل معًا من أجل حماية التنوع وقبول الآخر والتعاون بروح فريق واحد لمجتمع خالٍ من خطابات الكراهية.
اليوم، عدت من البصرة إنسانًا مختلفًا عن ذلك الذي جاء من سنجار قبل أيام. أصبحت سنجاريًا بصريًا بغداديًا، أتوق لنقل ما رأيته في البصرة لكل العالم، لكن الكلمات لا تسعفني… أدركت أن الحوار ليس مجرد كلام بين اثنين أو أكثر، بل هو أن تعرف الآخر، تراه على حقيقته، وتتعامل معه لتقبل كل منا الآخر كما هو.
أنا حسن، ابن سنجار. عشت في بيوت أهل البصرة أيامًا معدودة، فعشقت شمسها وملحها وهواءها.






