سعيد دربو – سنجار
كنا نسمع عن البصرة، وكنا نقول:
“هؤلاء هم أهل الكرم، أهل النخيل والماء، الذين يقدّمون للعالم أجمل صورة عن العراق.”
ولكن في لحظة صدق، سألت نفسي:
هل هذا حقًا؟ أم مجاملات، إعلام، أحاديث تُقال ولا تُلمس؟
لم أزر البصرة من قبل، ولهذا كنت من أوائل المشجعين لفكرة إقامة مخيم “التربية على الحوار” هناك.
حتى مع حرارة الصيف، لم أتردد ولم أتراجع.
وكنت سعيدًا جدًا أن أول قطار أركبه في حياتي كانت وجهته البصرة الفيحاء.
أنا من جبل سنجار، في أقصى شمال غرب العراق،
وحملتني هذه الرحلة إلى أقصى جنوب شرق العراق — إلى البصرة، إلى البحر، إلى الفاو.
من الجبل إلى البحر، من الحافة إلى الحافة.
لكنها لم تكن مجرد مسافة، بل رحلة في عمق الوطن الواحد.
عند وصولنا، استقبلنا رجل بصري بلباس عربي تقليدي: دشداشة بيضاء، شماغ، عقال.
قلت بيني وبين نفسي: “يشبهون أهل الخليج!!”
ولم أكن أعلم أن أصل هذا الزي من البصرة نفسها، وأن الخليج قد أخذ عنه، لا العكس.
توقعت أن يأخذنا الرجل إلى فندق أو شقة بسبب الحرارة،
لكنني تفاجأت حين فتح لنا باب بيته وقال:
“أنتم ضيوفنا، وأهلنا.”
لا يمكن للكلمات أن تصف شعورك وأنت ترى عائلة كاملة تستقبلك بهذه المحبة.
شعرت أنني لست غريبًا، شعرت أنني في سنجار عند بيت أقربائي.
كنت أعرف أن في البصرة من أصحاب البشرة السمراء، لكن لم أكن أعلم عن أصولهم الإفريقية العريقة،
ولا عن تاريخهم العميق، وثقافتهم الممتدة لما قبل الإسلام.
جلسنا معهم، ضحكنا، غنّينا، تحدّثنا، استمعنا.
وكان كل حديث معهم يُغني الروح، وكل ابتسامة منهم تفتح نافذة في القلب. قلوبهم بيضاء وجميلة مثل ابتسامتهم على وجوههم السمراء.
أقاموا لنا أمسية غنائية فلكلورية في مزارع الزبير، كانت ليلة لا تُنسى،
تحمل نكهة الجنوب، وصوت البحر، ودفء الذاكرة.
تعرّفنا على أناس ومناطق لم نكن نعرفها حتى في كتب الجغرافيا،
التقينا صابئة مندائيين، ومسيحيين، ومسلمين، وسمر البشرة، كلهم بقلوب بيضاء، تلك القلوب التي جمعها وطن اسمه العراق.
رأينا العراق كما يجب أن يكون: متنوعًا، حيًا، متسامحًا، ومتجاورًا في المحبة.
ومن المحطات الجميلة:
زيارتنا إلى بيت الشاعر بدر شاكر السياب.
وقفت هناك حيث كتب:
الشمس أجمل في بلادي من سواها، والظلام
حتى الظلام هناك أجمل، فهو يحتضن العراق.
شعرت أن القصيدة لم تغب، وأن السيّاب ما زال يسكن في النهر والناس.
وفي فجر أحد الأيام، ذهبنا إلى الفاو،
شاهدنا شبه جزيرة الفاو، وسوق السمك، وصيد البحريات، وحياة الناس البسيطة الصادقة.
وقفنا عند التقاء دجلة والفرات في القرنة.
كان اللقاء صامتًا، لكنه يهزّ القلب.
كنت أقول للناس: “أنا من سنجار”،
وكان كل من يسمعها، يبتسم ويقول:
“أهلك، أنت في بيتك.”
حتى الشيوخ البصريون، حين تسألهم عن سنجار، يجيبون:
“خدمت العسكرية هناك.”
أو: “كان معي سنجاريون إيزيديون في الجبهة.”
سنجار معروفة بالتين والتتن… والبصرة معروفة بالنخيل والتمور.
من ثمر الشمال إلى ثمر الجنوب،
من رائحة التتن اليابسة إلى رطوبة التمر الناضج،
شعرت أن العراق شجرة واحدة، جذورها في سنجار، وثمارها في البصرة.
تختلف النكهة لكن الطيبة واحدة،
وتختلف الثمار لكن الأرض أمّنا جميعًا.
في تجاعيد وجوه الشيوخ، ترى العراق المتعب والعظيم.
ترى ذاكرة وطن لا يموت، وإن مرض.
هناك، في البصرة، لم أزر مدينة، بل زرت نسخة أنقى من العراق.
العراق الذي لا يسألك: “من أي طائفة أو أي دين أنت؟”
بل يسألك: “چايك سادة لو أشكرها؟”
وهناك، حين يضع أحدهم السكر في استكان الشاي، لا يقول “حليته”،
بل يقول ببساطة: “جاي أشكرها” —
كأنهم يشكرون اللحظة، ويشكرونك كإنسان، ويشكرون الحياة على نعمة اللقاء.
من جبل سنجار إلى بحر الفاو، فهمت أن ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا.
في البصرة، رأيت العراق الذي نحلم به، وسأبقى أبحث عنه في كل مكان.






