فرسان الحوار / 16
أليف حسن – سنجار
كانت زيارتي الأولى إلى مدينة البصرة أكثر من مجرد انتقال جغرافي؛ كانت غوصًا في أعماق العراق، حيث يلتقي التاريخ بعطر النخيل، ويتجلّى التنوع الديني والثقافي في حياة الناس اليومية. ذهبت لأتعرّف على هذا التنوع، لكنني وجدت ما هو أعمق: دفء عائلي، ولهجة تنساب كالماء، وكلمات تحمل صدقًا يربطني بهم، كأنها معرفة قديمة.
أحببت وجوههم وضحكاتهم، وأعجبتني أشجار النخيل الشامخة في المدينة، رمز صبر الجنوب وكرامته.
في كورنيش البصرة، حيث يلتقي شط العرب بالمدينة في لحظة هدوء وسلام، جلست أتأمل حركة النهر والناس، كأن الزمن يبطئ ليمنحك فرصة للتأمل. وفي الأسواق الشعبية، تذوقت أكلات لم أجربها من قبل، تحمل طيبة أهل الجنوب وكرمهم.
لم يكن مزار خطوة الإمام علي في مدينة الزبير غريبًا عليّ: دعاء صادق، ونساء يربطن قطع قماش على الجدران، يحملن أمنيات صامتة وهمسات رجاء. المشهد ذكّرني بمعبد لالش في ألوانه وعقيدته، رغم اختلاف الشكل. شعرت أن الدعاء لا يعرف طائفة، ولا يفرّق بين القلوب.
وفي قلب الرحلة، كان لقائي بالمطران حبيب النوفلي في الكنيسة لحظة لا تُنسى. في حضوره، عاد إليّ حب الوطن بصورته الأنقى. تساءلت: كيف يستطيع إنسان عاش الألم والحصار أن يظل مفعمًا بالأمل، ويشجع على الحب والعلم والسلام؟ كلماته لم تكن مجرد وعظ، بل شهادة حيّة على الإيمان العميق والتسامح والانتماء الحقيقي. في صوته داخل الكنيسة، كان يمكن رؤية الإيمان وسماع الحب.
قضيت أربعة أيام في البصرة دون أن يسألني أحد عن ديني أو قوميّتي. شعرت كإنسان فقط، وأن ما يجمعنا أكثر بكثير مما يفرّقنا. كان ذلك كافيًا لأبدّد الصورة النمطية التي كنت أراها عبر الإعلام، واكتشفت أن التنوع في البصرة ليس مجرد تعايش، بل أسلوب حياة، وحالة وعي، وثقافة متجذرة.
أما في شبه جزيرة الفاو، أبعد نقطة في العراق، فالشعور لا يُوصف بالكلمات؛ لا غربة هناك، رغم المسافة.
على سطح أحد المنازل المطلة على البحر والنخيل، كان الهواء محمّلًا برائحة الأرض والملح، تحفنا رائحة شهداء دافعوا عن كل شبر منها. تنفست وجع الذاكرة وتذكرت أبي، الذي أُصيب في معركة تحرير هذه المدينة في ثمانينيات القرن الماضي.
كبرت واسم هذه المدينة يتردد على مسامعي، ولم أفهم لماذا كان القلق يظهر على وجه أمي عندما يُذكر بين الهمس والألم في بيتنا. لكن عندما وقفت هناك، وعرفت أن أبي والعديد من الجنود من الشمال البعيد جاءوا ليقاتلوا في الجنوب، فهمت أن الفاو لم تكن يومًا غريبة عني، بل كانت جزءًا من قلبي. إصابة أبي وإعاقته لم تكن عبئًا، بل وسام شرف حمله وهو يدافع عن أرضه، رغم بعد آلاف الكيلومترات عن مسقط رأسه في سنجار.
الفاو ليست مجرد مدينة، بل رمز لوحدة العراق.
غريب أن أجواء الفاو تشبه سنجار كثيرًا: الحياة البسيطة، الحزن الكامن في الوجوه، وصوت الريح وهو يصفّر فوق أسطح المنازل القديمة. من هنا شعرت أنني أعود إلى طفولتي، لكن بوعي جديد، ووطن أوسع، وذاكرة مستفزة، وفهم أعمق لمعنى كلمة “وطن”.






