أسامة مجيد / البصرة
على ضفاف شط العرب، حيث تعانق المياه نخيل الجنوب وتلامس الشمس وجوه العابرين، تنبض البصرة بقصص اللقاء والمحبة. هناك، حيث يسكت الحب نار الحروب ويشع السلام، في وجوه زائريها الذين جاءوا حاملين معهم هموم مدن تتشارك مع البصرة حياتها، هم العراق، محاولين إعادة رسم صورة العراق الواحد المتنوع.
في إطار برنامج فرسان الحوار الذي أطلقته مؤسسة مسارات للتنمية الثقافية والإعلامية، اتفقنا وبكل فخر أن نرفع شعار “بالحوار نبقى ونرتقي” لنخيم معًا في مدينتي الحبيبة البصرة، حيث يعانق البحر الشمس وتحتضن الأرض أشعتها كما احتضنت فرسان الحوار الذين يمثلون تنوع العراق الإثني.
عندما أخبرتني المؤسسة بموعد المخيم انتابني القلق، فشمسنا لا مثيل لها، وزاد قلقي عندما علمت أنها الزيارة الأولى لزملائي في المخيم من شمال ووسط العراق. لكن المفاجأة كانت أن أبناء جبل الصمود سنجار، وبغداد، والسلام والديوانية؛ الإيزيديون والفيليون والمسلمون والمسيحيون والكاكائيون؛ العرب والكرد والتركمان والشبك؛ البيض والسمر، كلهم لم يثنهم الشمس ولا الهواء الساخن عن مخيمهم وجولاتهم طوال اليوم والليل.
حتى أنا البصري الممزوج بملح البصرة وهواءها وشمسها تعجبت من قدرتهم على التحمل؛ إنها الإرادة والإيمان بهدف رسمناه معًا… الحوار ومعرفة الآخر.
استكشفنا معًا زوايا البصرة، مدينة الملح والشمس والماء، بحلوها ومرها، والتقطنا لها الصور التي رأت عيوننا والتي لطالما غيّبتها الصورة النمطية المرتبطة بسنوات الحرب والعزلة.
كنت بمنتهى السعادة وأنا أراقب اللهفة التي تملأ عيون المشاركين وهم يشاهدون شط العرب للمرة الأولى، والسحر والانبهار الذي تجلى فيهم عند الفاو والاستماع لقصص البحارة، وتلك اللحظات الخالدة في ريف أبي الخصيب والقرنة، حيث يلتقي دجلة والفرات.
الصور والأحاديث والموسيقى التي عشناها في الزبير وسفوان، أعتقد أنها ستبقى في أذهان المشاركين وينقلونها لبعضهم جيلًا بعد جيل، ذكريات لا يعتريها النسيان.
لا أدري من أين كان يأتينا الحماس، حتى في تلك الظهيرة المشمسة الحارقة ونحن ندخل ملعب جذع النخلة بمدرجاته الفارغة. كانت الفرحة عظيمة، والحماس يملأ المدرجات ونحن ندخل معًا نهتف بصوت واحد: “عاش العراق”.
لسنا مجرد شباب ناشطين نتجول في مواقع سياحية وترفيهية، إننا نموذج يحاول أن يصحح المسار ويخلق وطنًا نحبه بحلوه ومره. نحن الجيل الحي الذي يرفض الهجرة مهما كانت المغريات، ويحارب الطائفية ويكره الكراهية مهما كان نوعها.
هكذا قدمنا أنفسنا في لقاء لا يُنسى في إذاعة صوت البصرة وقناتها الفضائية، حيث دار حديث مزج دور الإعلام وجهود أبناء المدينة المتعاهدين على وحدة العراق وحرية الدين والمعتقد.
أيام جمعنا فيها سقف البصرة، وتركنا أثرًا في كل زوايا المدينة، كما جمعتنا موائد طعامها بين الزبيدي والشبزي والشاي والقهوة، والأحاديث والضحكات في شوارعها.
كان المشهد مهيبًا، لا لشيء إلا لأنه يختصر حقيقة العراق واحد رغم اختلاف أبنائه، متماسك رغم جراحه، مزدهر بالحوار والتنوع.
إن ما زرعه هذا المخيم فيّ من قيم التعايش والانفتاح سيأتي ثماره. فبالحوار، نكسر الحواجز؛ وباللقاء، نصنع السلام؛ وفي الوحدة، نرتقي.






