هنا، حيث الأرض تحتضن الماء، وحيث التاريخ يختلط بالأسطورة، وجدت نفسي أقف على شاطئ القرنة.
في هذه البقعة المقدسة، لا يلتقي النهران دجلة والفرات فحسب، بل يلتقي الماضي بالحاضر، وتتعانق الذاكرة بالأمل.
كانت رحلة إلى قلب العراق، إلى مكان يتنفس عبق الحضارات السومرية والأكادية، ويحكي قصصًا عن جنة عدن.
كان الهواء رطبًا وعذبًا، يهمس بأسرار النخل الباسق الذي يزين الضفاف. وقفت أراقب لقاء النهرين، مثل عاشقين طال فراقهما، يعانقان بعضهما بعد رحلة طويلة عبر أرض الرافدين. كان دجلة يتدفق بسرعة، حاملاً معه حكايات الشمال، من جبال طوروس وصخب المدن العريقة. أما الفرات، فكان أكثر هدوءًا، ينساب بفخر، حاملاً في مائه رمال الصحراء الذهبية وهمس الواحات البعيدة.
لم يكن المشهد مجرد التقاء لنهرين، بل كان قصيدة بصرية لا مثيل لها. لون دجلة بطينه الدهلة يلتقي بلون الفرات الرائق، ليشكلا مزيجًا بديعًا يمثل وحدة وتنوع العراق. كانت الأشجار تتمايل بلطف، كأنها ترقص احتفالًا بهذا اللقاء العظيم، وعليها عششت الطيور التي تغرد بأغاني الفرح مع طلوع أول خيوط الفجر العراقي البهي.
في تلك اللحظة، شعرت بوزن التاريخ يلقي بظلاله عليّ. تخيلت كيف مرت على هذه الضفاف قوافل السومريين، وكيف شهدت على مجد بابل وعظمتها. لقد كانت القرنة شاهدًا صامتًا على كل ذلك، وما زالت تحتفظ بأسرار لم ولن تُكشف بعد.
أخيرًا أنا هنا… امتزجت روحي مع روح المكان، وأدركت أن القرنة ليست مجرد نقطة جغرافية على الخريطة. إنها قلب العراق النابض، حيث تتجدد الحياة، وتنمو الأشجار، وتتداخل الأساطير بالحقيقة. هي لوحة طبيعية مرسومة بيد فنان ماهر، تنطق بالجمال وتغني للحياة.
تركت القرنة خلفي، لكنها لم تترك روحي، فما زلت أسمع همس النهرين وأرى انعكاس نخيلها في عيني…






