فرسان الحوار / 21
أحمد محمد / بغداد
في قلب العراق، حيث تتناثر حكايات الماضي العريق وتتراقص أمواج الأهوار في لوحة فنية بديعة، تقع محافظة ذي قار. كانت رحلتي إليها غوصًا في عمق التاريخ وجمال الطبيعة، وتجربة حسية لا تُنسى نقش تفاصيلها في ذاكرتي ووجداني.
توجّهت إلى أعظم كنوز ذي قار، زقورة أور. وعندما بدت شامخة في الأفق، شعرت برهبة الجلال وعظمة التاريخ. صعدت درجاتها الحجرية ببطء، وكل خطوة أعادتني آلاف السنين إلى الوراء، إلى زمن السومريين، إلى إنليل، إنكي، وإنانا…
نسيم يداعب وجهي، وربما يحرقه، لا أعلم شعوري بالضبط، لكن ما أعرفه أن الهواء هنا يحمل عبق آلاف السنين من الحضارة.
من قمة الزقورة، تأملت سهول بلاد الرافدين الشاسعة، وتخيلت كيف كانت الحياة هنا في مملكة أور العظيمة. كانت الشمس تشرق ببطء، تلقي بأشعتها الذهبية على هذا الصرح العظيم، فترسم لوحة ساحرة تجسد أصالة المكان وروعة حضارته.
بعد ذلك وصلت إلى مدينة الناصرية، حاضرة ذي قار، وشعرت على الفور بدفء أهلها وكرم ضيافتهم. شوارعها النابضة بالحياة وأسواقها التقليدية المليئة بالألوان والروائح كانت دعوة لاستكشاف المزيد. الأصوات المتناغمة للباعة وعبير التوابل يمتزج برائحة الخبز الطازج، ليكوّن سمفونية فريدة توقظ الحواس.
كان اللقاء مع نقابة الفنانين في الناصرية تجربة ملهمة، حيث شعرت بشغف المبدعين وحبهم لمدينتهم وتاريخها، ورأيت كيف أن الفن جسراً يربط الماضي بالحاضر ويعكس روح المكان الأصيلة.
لكي تكتمل اللوحة، كان الفجر التالي موعد زيارة أهوار الجبايش، تلك الجنة المائية الخضراء المعروفة باسم “جنة عدن”. ركبت القارب التقليدي بهدوء بين القصب الكثيف والقنوات المتعرجة. المياه الهادئة عكست السماء الزرقاء، ورأيت طيورًا مائية نادرة تحلق بحرية، وأسرابًا من الأسماك تتراقص تحت سطح الماء. رائحة النباتات المائية المنعشة، وصوت القصب المتمايل مع الريح، خلق إحساسًا عميقًا بالسلام والهدوء.
التقيت بسكان الأهوار الطيبين وتذوقت خبز التنور الطازج مع سمكهم المشوي بالطريقة السومرية القديمة التي ما زالوا يحافظون عليها. شعرت بأنني جزء من هذا النسيج الفريد من الحياة؛ بساطتهم وكرمهم يعكسان نقاء المكان وروعة الحياة فيه.
كانت رحلتي إلى ذي قار مزيجًا فريدًا من الدهشة والتعلم والاتصال العميق بالتاريخ والطبيعة. ذي قار ليست مجرد محافظة، بل هي قصة حضارة، ولوحة فنية من الجمال الطبيعي وبيت دافئ لأناس طيبين. إنها دعوة لكل من يبحث عن الأصالة والتاريخ والسكينة، دعوة لتجربة حسية تبقى في الروح والذاكرة.






