فرسان الحوار / 24
سرى حسن / بغداد
في ليل جنوبي هادئ، وعندما كان العالم من حولي يغفو، أتممت استعداداتي للانضمام إلى زملائي في باص سينقلنا إلى القرنة — مدينة سمعت عنها ولم أزرها من قبل، ولم أكلف نفسي حتى بالبحث عنها على الإنترنت. مر اسمها على مسمعي في مرحلة الدراسة المتوسطة… لم يعلق في ذاكرتي شيء سوى أنها تقع في البصرة وأن نهري دجلة والفرات يلتقيان هناك ليشكلا شط العرب.
وسط ظلام الليل، توجهنا إليها، وفي فجر جنوبي هادئ، مع تغازل أصوات العصافير وخرير الماء، كان اللقاء. هنا القرنة، مدينة السحر والرومانسية.
ليست مجرد نقطة التقاء مائي، بل نقطة التقاء الروح بالتاريخ والإنسان بالطبيعة. أي فينيسيا؟ أي باريس؟ أي مكان في العالم يمكن أن ينافس هذه البقعة؟ من أراد المقارنة فليأتِ إلى هنا.
عند وصولنا، كانت المدينة تتنفس هدوء الليل، وبدأت الطيور تصحو مع صوت الأذان لتبدأ رحلتها اليومية على ضفاف النهر.
جلسنا معًا من أعلى قمة سنجار إلى آخر نقطة في الفاو، وعيوننا في حيرة: إلى أين ننظر؟ السماء التي تحتضن أول خيوط الضوء؟ أم أول شعاع تطرحه الشمس؟ أم إلى ذلك العناق الفريد بين دجلة والفرات في هذه النقطة بالضبط؟
توجهت شرقًا، أخذت حفنة من ماء دجلة، شممتها، ثم ارتشفتها كظمآن يروي عطشه الطويل. ثم ركضت نحو الغرب على بعد عشرة أمتار تقريبًا، أخذت حفنة من ماء الفرات وأعدت المشهد. لكل نهر عبق وطعم مختلف!
ثم عدت إلى نقطة الالتقاء حيث تختلط المياه… يا الله، الشربة الثالثة، عطراً مختلفاً وطعماً جديداً، أظن أنها كانت إكسير الحياة.
جلسنا على ضفاف التقاء النهرين، نتأمل الطبيعة وجمال المنظر، في انتظار اكتمال شروق الشمس. كان الفجر يرسم خيوطه في مشهد ساحر.
في هذا المكان، التجربة روحية تنقلك بين عالمين: الأول حيث يعيش الجميع من حولك، والثاني حيث إبداع الخالق في رسم لوحة الطبيعة التي تكاد تنطق. هنا تمنيت أن يكون معي كل أحبائي. وعندما عكس الماء ألوان الفجر وسط هدوء المكان، بدا المشهد أشبه بلوحة فنية في متحف عالمي، لا يعيق جمالها إلا أصواتنا وضحكتنا التي تملأ المكان حبًا للعراق، الذي يجمعنا من كل طيف ولون ودين.
الوقوف على نقطة الالتقاء جعلني أشعر أنني على خط فاصل بين قصتين مختلفتين: دجلة القادمة من الشمال حاملة برودة الجبال، والفرات القادم عبر السهول والوديان ليبدأ هنا حكاية جميلة: ولادة شط العرب. نسيم النهر يحمل عبقها ويأخذنا إلى المعنى الحقيقي لتجربة جميلة ومشاهدة رائعة لدهشة فرسان الحوار لجمال الطبيعة العراقية.
راقبت وجوههم، فرأيت النهر في أعين كل واحد منهم بصورة مختلفة. في عيون أليفة ابنة سنجار القوية، انعكس حنينها لطفولتها، ابتسمت بصمت وكأنها تهمس للنهر بأسرارها الخاصة.
أما إبراهيم، حامل هم القحطانية ومستعجل العودة لحضور مراسم جولة السنجق، فقد كان يراقب النهر ويصلي عند بزوغ الشمس، كراهب من حكايات أسطورية قديمة جاء إلينا مع موجات النهر الهادئة.
البقية كانوا كحكايات من ألف ليلة وليلة، أخرجوا كاميراتهم وصوروا الشمس والفجر والنهر والشط بشغف. لم يكونوا يصورون فقط الماء أو الأشجار، بل يوثقون المشاعر واللحظات، لحظات الصمت حين يعجز الكلام عن وصف الجمال، اللحظات التي يُقال فيها إن الجمال الحقيقي لا يُرى بالعين بل يُحس.
عند شروق الشمس، بدأ أبناء الشمس بالدبكة الشعبية والغناء وأنغام خفيفة، وكأن النهر نفسه يردد معهم، وزاد الفرح.
أجمل ما في الرحلة لم يكن فقط الأماكن، بل الروح الجماعية التي جمعتنا كأصدقاء. ضحكنا، صورنا، تعلمنا أشياء جديدة، وكل واحد منا خرج من الرحلة وهو يحمل ذكرى لا تُنسى.
في طريق العودة، كنا متعبين لكن قلوبنا مليئة بالفرح. أدركت حينها أن الرحلات لا تغيّر فقط ما نراه، بل تغيّر شيئًا في داخلنا، تقرّبنا من بعض، وتفتح لنا أبوابًا جديدة لفهم العالم والحياة.
مسارات






