فرسان الحوار / 23
سرى حسن / بغداد
ربما نحتاج إلى ضربة حظ ورضا إلهي كبير كي نجد أنفسنا في تجربة فريدة تضيف لنا في أيام قليلة تجربة تساوي عمراً كاملاً… وهذا بالضبط ما حدث معي. هذه هي القصة…
لقد قضيت عمري، خلال السنوات الماضية، أحزم حقيبتي بين الفينة والأخرى لأزور بلدًا أو مدينة ما. السفر كان دائمًا هواية بالنسبة لي، مهربًا من ضغوط الحياة، وقبل كل شيء أحد متطلبات عملي. لكن هذه الرحلة كانت مختلفة جذريًا…
كانت تجربة فريدة بين مدن داخل بلدي، مدن كنت قد زرتها أو مررت بها مرات عديدة. أسماء تلك المدن لم تكن غريبة عني، ولا أرضها، ولا حتى أهلها—فكان لدي صداقات ومعارف فيها منذ سنوات—لكن فجأة اكتشفت أن هذه المدن جديدة بالنسبة لي. كيف يكون ذلك وأنا أعرف شوارعها وأسواقها وحتى أسماء البائعين في المحلات والمطاعم والفنادق؟
المجموعة التي سافرت معي هذه المرة كانت تمثل مجتمعًا عراقيًا متكاملًا، من ديانات متعددة وقوميات مختلفة. لم يكن الاختلاف الديني أو القومي حاجزًا، بل أصبح جسراً للتواصل والتعاون. كنا معًا قلبًا واحدًا، متحمسين لاستكشاف عالم الآثار وروعة القرون الوسطى.
تبادلنا الأفكار حول الحوار وأهميته بين مكونات المجتمع بروح منفتحة، ولم يكن الهدف إثبات من على حق، بل الاستماع والتفاهم وتقدير وجهات النظر المختلفة. كان هذا مخيم #بالحوارنبقىونرتقي—تجربة علمتني أن الظروف الصعبة تكشف عمق الإنسانية.
بدأنا في بغداد. بالنسبة لزملائي من الشمال، كانت هذه أول زيارة لهم. كنت أتوقع أن أكون مرشدهم في الرحلة، لكن المفاجأة كانت شعوري أنني أرى بغداد التي أحب لأول مرة.
فرق كبير بين أن تعيش في مدينة طوال حياتك وتظن أنك تعرفها، ثم تكتشف فجأة أن ما تعرفه لا يتعدى جزءًا بسيطًا من تاريخها وجمالها وروعتها. الأجمل كان أن أرى مدينتي بعين الآخرين: دجلة ومياهها، تمثال المتنبي، شارع الرشيد، قباب الكاظمية المذهبة، مرقد أبي حنيفة، أزقة الأعظمية، جامعات بغداد وبيوتها، ابتسامات أهلها، رموزها الأكاديميين والفنانين، مطاعمها الشعبية، ووجوه سكانها التي تحكي حكايات القرن الحادي والعشرين… كل منا في بغداد صار كالسندباد الجديد.
كانت رحلة للتعرف على بغداد بعيون العراقيين من مختلف الديانات.
بالقطار البطيء انتقلنا إلى المعقل في البصرة، ثم إلى الزبير. أهل الزبير عالم خاص: ثقافة بكر، مجتمع منفتح، وقلوب صافية، كأنهم يقولون للعالم: “نحن أهلكم وأنتم أبناء العراق”. الموسيقى المحلية تأخذك إلى عالم من الأحلام والحياة، إلى حكايات التاريخ والط rituals والمعرفة والمستقبل في وقت واحد.
زيارتي الأولى إلى مناطق مثل الفاو شعرت فيها كمن يكتشف مكانًا أشبه بالقصص القديمة. جمال طبيعي وأهل كرماء يقودونك بقلوبهم قبل أيديهم. نخيلها الشامخ رمز للصبر.
لم يكن الوضع مختلفًا كثيرًا في الفاو؛ وجوه مألوفة، أرواح تنبض بالفرح والطيبة، وكرم الضيافة. لم أكن أفهم لماذا جعل منظمو المخيم بيوت الناس مقرات للمخيم، لكننا أصبحنا جزءًا من حياتهم. سهرنا معهم حتى الصباح على وقع الألحان وأصوات الدومينو، وصنعنا الإكسسوارات مع بنات البيت وتعرفنا على زراعة الحناء.
قبل الفجر، ذهبنا إلى اللسان البحري (النگعة) حيث يعرض البحارة صيدهم. بين أسماك الهامور والزبيدي، أشرعة السفن، وصوت الباعة، يغمر المكان عطر البحر البصري وأشعة الشمس القاسية.
من الفاو إلى خور عبد الله، ثم أبي الخصيب، بين الأمواج ونخيلها، شهدنا الضيافة. فطرنا في بستان السيد مسلم عبد السيد (أبو سعد)، وغداءنا كان في بيت السيد إسماعيل حبيب (أبو محمد)، حيث تذوقنا أطيب نكهات الطعام البصري، خاصة السمك.
زيارتنا إلى قرية جيكور كانت أيضًا مميزة، بيت شاعرنا الكبير بدر شاكر السياب، حيث شعرت بروحه معنا في كل ركن. بمرافقة ابن عمه فائق السياب، شعرت أنني أعيش في عالم خارج الزمن، وكأن قصائده ما زالت تتردد في الهواء.
زيارة البصرة لا تكتمل دون الوقوف عند شط العرب، حوار دائم بين عيون المارين وموج الماء الهادئ تحت جسر التنومة القديم والجسر الإيطالي الحديث، يروي حكايات لا تنتهي. المشهد كان لوحة جنوبية، جنوب القلب.
اكتمل المشهد عند قناة البصرة الفضائية، حيث استقبلتنا البصرة الإعلامية بابتسامات دافئة وبرامج وأخبار مستمرة. حصلنا على دليل سياحي يلمس روح المدينة.
كما زُرنا الكنيسة والتقينا المطران حبيب النوفلي الذي شاركنا دروسًا في الفلسفة واللاهوت وحماية التنوع ومعرفة الآخر، وقدّم لنا مطبوعات رائعة، من بينها الكتاب المقدس. كذلك التقينا عشائر المدينة واحتفلنا مع المندائيين ونقابة الفنانين، حيث كانت روح البصرة حاضرة في كل مكان.
المسرح كان سيد الموقف، لكن الظهيرة الأخيرة كانت مختلفة: ملعب جذع النخلة، منتصف النهار في صيف البصرة بدرجة حرارة 50° مئوية، مع أبناء شمال العراق على الملعب. تحفة معمارية تحكي قصة الإبداع العراقي من أور وبابل والحضر إلى جذع النخلة.
الزملاء البصريون حصلوا بصعوبة على موافقة لدخول الملعب، لكننا جلسنا هناك، متحدين، نهتف للعراق الواحد، دون فرق بين دين أو لون أو قومية. هنا، لا شيء أهم من حب العراق.
انتهت الزيارة، نعم، لكنها لم تنتهِ بالنسبة للروح، فالبصرة تحتاج أن تُزار بالروح قبل العين، لتعلق في قلب الزائر كحبيبة مخلصة.
وستكون لنا رحلة أخرى في القرنة لنروي قصة عناق دجلة والفرات وحوارهما من أقصى شمال الوطن إلى جنوبه قريبًا.






