فرسان الحوار / 9
جميل قوال / سنجار
في أول رحلة تخييم نظمتها مؤسسة مسارات تعلمت أن العراق يزخر بالكنوز والأسرار التي يجهلها الكثيرون. فعلى سبيل المثال، التنوع الديني والاجتماعي الذي يميز العراق يجعله أرضًا فريدة مقارنة بدول العالم. هذا التنوع لا يمنح العراق غنىً ثقافيًا فحسب، بل يشكل أيضًا عنصرًا من عناصر تفرّده وتميزه.
كانت الرحلة إلى البصرة فرصة جديدة لاكتشاف عمق وجمال العراق من منظور آخر. في البصرة، استضافتنا العائلات البصرية بكل حفاوة، وشاركنا معهم القيم والعادات التي توارثوها جيلاً بعد جيل. قدمت لنا هذه العائلات جزءًا من تراثها وثقافتها، وأيقظت فينا مشاعر قديمة كانت غائبة، ذكرتنا بأيام الطفولة عندما كنا نشاهد الفرق الموسيقية على التلفاز تعزف على آلات متنوعة مثل الطبل والبزق. هذه الذكريات كانت قد انطفأت، لكنها عادت للحياة من خلال هذه التجربة الثرية.
لطالما سمعت عن كرم أهل الجنوب، لكن عندما عشت هذه التجربة وشاركت الحياة اليومية مع العائلات في منازلهم، أدركت أن القيم الإنسانية ما زالت حاضرة بقوة. فكرمهم واحترامهم لا يمكن وصفه بالكلمات، وهذه العائلات تمثل نموذجًا يحتذى به ويبعث على الفخر.
أما فيما يتعلق بالخلفيات المجتمعية، فقد كنت – مثل كثيرين – أتابع عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي أخبار النزاعات الطائفية والعشائرية في جنوب العراق، ولكن عندما التقيت بأبناء هذه العشائر على أرض الواقع، وجدت أن الصورة مختلفة تمامًا. شعرت بالندم لأنني صدقت ما قيل عنهم، إذ اكتشفت أن العشائر، باختلاف انتماءاتها، تعيش معًا بسلام ووئام. بل إن بعض العشائر المسلمة رشحت شخصًا مسيحيًا ليمثلها في البرلمان العراقي في الانتخابات القادمة، مما يؤكد المقولة الشهيرة: “البصرة هي العراق المصغر”.
العراق يحمل في طياته ما يستحق أن نكتشفه ونحتفي به. أكرر وأقول إن ما تفعله مؤسسة مسارات قادر على تغيير الكثير في العراق وجعله مجتمعًا شاملاً يعيش فيه الجميع بالسلام والوئام. أربعة أيام في البصرة كانت كافية كي أتعلم دروسًا كثيرة عن الثقافة والإنسانية والترابط الاجتماعي. وقبل هذا كله، تعلمت أن لي وطن أفخر به.
أنا الذي لم أتوقع في حياتي أن أحب العراق يومًا، لكن تغيرت نظرتي بعدما التحقت بفريق بالحوار نبقى ونرتقي.






